القائمة الرئيسية

الصفحات

قصة المخيم الفصل الاول1الاخير بقلم عبد الرحمن

قصة المخيم 
الفصل الاول1الاخير 
بقلم عبد الرحمن
لقيت مكان تخييم في الغابة كان مثالي، مثالي زيادة عن اللزوم، وده سبب كُل حاجة.

معليش على صوتي الخايف ومتركزوش مع جسمي اللي بيترعش من الخوف. أنا بكتب لكم القصة اللي حصلت معايا دي من أوتيل عشان اضطريت أسيب خيمتي ورايا وأنا لازم أكتب اللي حصل.. لازم أطلّعه من دماغي وأحكيه ليكم، عشان حاسة إني هتجنن، ولازم أحذّركم!
مبدئيًا أنا مش من النوع اللي بيحب يتمشى في الغابة يومين في الأسبوع على الطرق المرسومة وده لأني بعشق الغابات العميقة، الأماكن اللي تمشي فيها يوم كامل من غير ما تشوف حد.
لما كان عندي إجازة طويلة، قررت أروح مشوار في غابة ولاية تبعد عن بيتي كذا ساعة. الخطة كانت بسيطة. أمشي حوالي 5 أو 6 ميل، ألاقي مكان كويس، أخيّم الليل، وأرجع تاني يوم. حاجة عادية يعني وعملتها كتير.
المشي كان تحفة. الهوا نقي، السما زرقا صافية من غير ولا سحابة، والشمس في الخريف كانت بتطلّع نور دهبي من بين الأشجار.
مكانش فيه غير صوت جزمتي وهي بتدوس على الورق اللي واقع على الأرض، وزقزقة عصافير بعيدة، وصوت الهوا بيهمس بين الأشجار.
حاجات بحبها واللي بحبه أكتر الإحساس بالهدوء التام، إنك بعيد عن ضوضاء الدنيا.
بعد كام ساعة مشي، بدأت أدور على مكان أخيّم فيه. كنت بدور على حاجة عادية. مكان مُستوي، مش قريب أوي من الطريق، ويُفضّل لو فيه مياه جنبه.
وبعدين لقيته! مكانش مجرد مكان كويس! كان مكان مثالي!
مثالي بشكل غير طبيعي!
خرجت من الطريق الرئيسي، وعديت من بين أشجار طويلة ومشيت شوية وبعدها لقيت نفسي في مكان مفتوح زي ما يكون وقع عليا من قصة خيالية!
دايرة مثالية، قطرها حوالي 40 قدم. الأرض متغطية بعشب أخضر ناعم وطري، زي سجادة حديقة متظبطة، مش زي أرض غابة عشوائية.
والأشجار.. الأشجار واقفة في دايرة مثالية حوالين المكان. بلوط وصنوبر قديم وطويل، واقفين جنب بعض زي سور، وفروعهم متشابكة فوق زي قبة، وسايبين دايرة خضرا مفتوحة للسما!
مكان زي حلم.
مش هكدب عليكم، جزء صغير عاقل في دماغي حس إن فيه حاجة غريبة. المكان المفتوح في غابة كثيفة نادرًا ما يكون بالشكل ده.
العشب مكانش لازم يكون موحد وناعم كده!
بس الإحساس العام كان إني لقيت كنز وحسيت إن المكان.. آمن! محمي! دايرة الأشجار كانت زي سور طبيعي، زي أوضة خاصة الغابة اديتهالي.
من الفرحة نسيت أي إحساس بالقلق وقررت إني محظوظة جدًا.
رميت شنطتي بفرحة وبدأت أركّب الخيمة وكل حاجة كانت سهلة والأوتاد دخلوا في الأرض الناعمة بسهولة كمان وجمعت كام غصن من برا المكان وعملت حفرة نار صغيرة في النص. في وقت قصير، النار كانت مولعة وبتدفّيني من برد المسا.
طبخت أكلة بسيطة، وقعدت على جذع شجرة، بتفرج على النار وهي بترقص والشمس بتغرب، والسما فوق دايرة الأشجار بقت برتقالي وبنفسجي.
قلت لنفسي: "ده المكان المثالي. ده اللي بحلم بيه"!
لما الليل نزل الغابة اتغيرت، زي ما بيحصل دايمًا.
الغابة اللي كنت أعرفها بالنهار بقت مكان غريب مليان ظلال وحركات مش شايفها!
بس أنا كنت مرتاحة في دايرة النور والدفا بتاعتي. حسيت إني في أمان تام.
بعد ما نضفت أدوات الأكل، طفّيت النار كويس أوي، اتأكدت إن مفيش ولا جمرة لسه مولعة، ودخلت خيمتي، وقفلت سوستة الخيمة، ودخلت جوا كيس النوم، وحاولت أنام.. وهنا بدأت المثالية تتفكك!
بدأت بحاجة غريبة!
حسيت بحركة خفيفة جدًا تحتي!
من الأرض نفسها!
كأن فيه حشرات كتير أوي، بتتحرك تحت أرضية الخيمة.. إحساس مخيف، زي دغدغة خفيفة. خوفت شوية بس حاولت أتجاهل لأني في الغابة وعادي يكون فيه حشرات!
شديت كيس النوم حواليا وغمضت عيني، حاولت أركز على أصوات الليل الهادية، بس مكنتش قادرة أنام.
الإحساس فضل موجود، حركة خفيفة مستمرة على ضهري. مكانتش بتوجع، بس كانت.. حركة مش طبيعية!
وبعدين بدأت الأصوات!
جت من برا الخيمة، من دايرة الأشجار حوالين المكان!
صوت غصن بيتكسر. صوت ورق ناشف بيحرّك! في الأول افتكرت إنها حيوانات.
غزال.. راكون.. أي حاجة بس الأصوات كانت منتظمة أوي. كسر، حركة، كسر، كأن فيه حد بيلف حوالين المكان في الضلمة!
قلبي بدأ يدق أسرع!
فضلت ساكتة مكاني، وأنا بسمع كويس في الضلمة. وبعدين شفت الظلال!
خيمتي مصنوعة من نايلون خفيف لونه فاتح. القمر كان قوي. شوفت ظلال بتتحرك برا. ظلال مش طبيعية زي ناس جسمها طويل!
بصيت عليهم وحاولت أهدّي دماغي اللي سرحت في سيناريوهات كتير. قلت لنفسي: "ده بس الهوا. الهوا بيحرك الفروع"! بس مكانش فيه هوا. الجو كان هادي تمامًا ورغم كده، الظلال على الخيمة كانت بتتحرك.. مش بس بتتهز، لأ، كانت بتتحرك!
ظلال طويلة رفيعة، زي صوابع طويلة، بتمر على جدران الخيمة من برا. شفتها وهي بتمشي على الجدران، زي صوابع بتدور على حاجة!
قمت وقعدت ونفسي اتقطّع. مسكت الفانوس القوي اللي جنبي في جيب الخيمة.
إيدي بترعش. شغلته ووجّهت النور على جدار الخيمة.. الظلال اختفت في النور. لفّيت بالفانوس جوا الخيمة.
مفيش حاجة. أنا بس، والحاجات بتاعتي. وقلبي اللي بيدق.
طفّيت الفانوس. الظلال الصوابع رجعت!
بتمر على القماش الخفيف!
كنت مرعوبة دلوقتي. الإحساس بأن الأرض تحتيا فيها حاجة زاد. مكانش مجرد حركة خفيفة!
كانت أسرع!
أوضح!
زي ما يكون فيه ألف إبرة صغيرة بتخبط على أرضية الخيمة من تحت!
دورت على الفانوس تاني، إيديّا عرقانين. وجّهت النور على الأرض جنب كيس النوم.. وشفتها!
العشب كان نابت جوا!
عشرات من سيقان العشب الرفيعة، كانت طالعة من أرضية الخيمة النايلون السميكة!
طالعة حوالي نص بوصة زي ما تكون رقعة عشب لسه نابتة!
ده مكانش الصدمة.. الصدمة أنها كانت بتتحرك!
بتتهز يمين وشمال، في تناسق مرعب.
بتعمل: (سويش-سويش-سويش) حركة صغيرة، منتظمة. مكانتش مجرد عشب. كانت حاجة تانية مش عارفة أوصفها.. شعيرات. أسنان. دراعات صغيرة!
كانت بتلف زي ما تكون بتدور عليا!
صرخت من الرعب والخوف، وجريت على سوستة باب الخيمة، وشديته. صوت السوستة كان عالي بشكل بشع في الهدوء.. خرجت من الخيمة ووقفت في نص المكان، بلّف بالفانوس بجنون.
المكان كان فاضي. دايرة الأشجار كانت واقفة ساكتة. للحظة، حسيت بأمل صغير، يمكن أكون بتهيأ. يمكن أكون اتجننت.. بس لما وجّهت الفانوس على الخيمة، الدنيا اتهدت من تحتي!
شوفت فروع أشجار مكانتش جاية من الأشجار.. كانت طالعة من الأرض.. عشرات من الجذور الغليظة السودا، زي لون الطين المبلول، كانت طالعة من العشب الأخضر الناعم. كانت محاصرة الخيمة! بتضغط عليها! زي أفعى ضخمة!
الخيمة اللي كانت جميلة اتدهست وبقت مشوهة، معوجة من الضغط!
الجذور كانت ليفية وعضلية، وحسّيت إني شفتها بتنبض! زي شبكة من العروق السودا!
كانت بتسحب الخيمة لتحت، في الأرض الناعمة اللي كنت نايمة عليها!
شوفت الأرض بتبلّع خيمتي!
بتهضمها!
في اللحظة دي من الرعب اللي هزّني فهمت اللي بيحصل ومفكرتش!
مأخدتش شنطتي. محاولتش أنقذ أغراضي الغالية ولا موبايلي ولا محفظتي، كلهم كانوا جوا الخيمة.
الخيمة اللي الأرض كانت بتبلّعها. الوحيد اللي كان معايا هو الفانوس في إيدي واللبس اللي عليا!
جريت!
جريت ناحية الفتحة بين الأشجار اللي بتودي للطريق، رجليا كانت بتخبط على الأرض الناعمة الحية!
حسيت بإحساس غريب!
كأن الأرض بتحاول تمسكني مع كل خطوة!
عدّيت من وسط الشجر ووصلت للطريق الترابي، وموقفتش.
الجري في الغابة كان غريب المرة دي.. مرعب. جريت وسط ضباب ونور الفانوس كان بيترجرج، بيكشف حواليا منظر مستحيل أنساه!
جذور!
جذور وأفرع بتجري حواليا بتحاول توصل ليا!
صرخت وفضلت أجري لحد ما صدري اتطبق من التعب ورجلي مبقتش قادرة تشيلني!
لحد ما بقيت بعيط وبنهج. لحد ما وصلت لأحلى حاجة شوفتها. الأمل.. عربيتي.. شوفتها قدامي وجريت عليها وأنا بدور بجنون على المفتاح الاستبن اللي بشيله معايا على طول. الحمد لله لقيته في البنطلون وبعد 3 محاولات أني أدخل المفتاح في القفل من التوتر العربية اتفتحت ورميت نفسي على الكرسي وقفلت الباب بالمفتاح.
قعدت مش مستوعبة. صدري بيطلع وينزل، بسمع صوت نفسي المقطّع. دخّلت المفتاح في السويتش، وسمعت الموتور.. صوت تحفة، صوت الهروب. ومبصتش ورايا. فضلت سايقة طول الليل، الأدرينالين بيجري في عروقي، موقفتش غير لما الشمس طلعت وكنت بعيد مئات الكيلو مترات.
أنا في أمان دلوقتي.. على ما أظن. في أوضة أوتيل رخيصة. بس مش كويسة.
كل ما بغمض عيني بشوفها. بشوف العشب اللي بيتحرك. الجذور السودا اللي بتنبض. الخيمة اللي بتغرق في الأرض!
أظن أن المكان المفتوح ده مكانش مكان مفتوح. كان حاجة حية والعشب الناعم مكانش عشب كان زي الطُعم، زي بطانة لفم شيطاني.. ودايرة الأشجار اللي كانت هناك مكانتش سور حماية؛ كانت حافة الفك.. وأنا.. بكل غباء نصبت خيمتي على لسان المسخ الشيطاني العملاق ده!
   النهاية 

تعليقات